قال أريد أن أتزوج كأنما
يخاطب نفسه في لحظة صراحة عابرة وأحجم برهة يفكر ثم تساءل في في نوع من التسليم ولكن أين تلك التي سترفع معك التحدي وتحمل معك أثقال الحياة
إلى نهياة المشوار ثم جعل يدير الأفكار في رأسه وينظر إلى حاله نظرة هادئة خالية
من أي تعاطف مع الذاة، فلاحظ أنه لا يستحق ذلك النمودج الذي يصبو إليه واعترف
لنفسه بذلك بشجاعة الأبطال وابتسم من أعماق قلبه دون أن ترتسم أثار تلك الابتسامة
على وجهه كأنه يكتشف شيئا جديا في حياته والحقيقة أنه كان يكتشف شيئا جديدا فعلا
أو على الأصح كان يقدم على فعل جديد في حياته لم يسبق أن أقدم عليه، فهو الآن يفكر
في نفسه ويخضعها لمحاكمة عسيرة لا ترحم وينظر إليها من خلال تلك العين الناقدة التي
خصصها في مضى للآخرين فقط، هاهو الآن يضع نفسه أمام المنظار ويشرحها بقلب باردة
وأحاسيس جامدة كأنه يحاكم شخص غريب من عامة الناس لم يعرفه من قبل ولم يعرف له على
نفسه حق وربما شعر اتجاهه بنوع من التشنج فقسى عليه أكثر مما كان سيفعل مع شخص من
عامة الناس، واسترسل في عمله لا تأخده رحمة ولا شفقة وانهال على نفسه بسيل غريب من الأسئلة، من أكون
أنا حتى تكون لي تلك التي أراها نمودجا رائعا للمرأة الإنسانة الرقيقة المحبة
المخلصة الوفية المستعدة لرفع التحديات ومواجهة الحياة بالحب والعطاء، ما الذي يميزني عن الناس
كي يكون حلمي على هذا القدر الوفير من الجمال وتكون عيون حلمي على هذا المستوى من
السحر الطبيعي الخلاب، وهل أنا رقيق محب مخلص وفيّ مستعد لرفع التحديات ومواجهة
الحياة بالحب والعطاء هل أنا ذلك الشاب المثالي الذي يناسب هذا المثال الخلاب الذي
أتمناه بكل قوة قلبي، لا شك أنني لست كذلك بل لا شك أني بعيد عن ذلك بعدا سحيقا فلما
لا أكف عن هذا الحلم المتعب وأكتفي بما هو موجود وما يناسني أنا الحقيقي وليس أنا
الخيالي الذي أرسمه لنفسي فالفرق بيننا شاسع جدا...
واجتاحته موجة امتعاض
شعر بمرارتها في لعابه وجعل يزدري هذه الأنساق الانسانية الغريبة التي تجعل الناس
يتناسون أنفسهم ويتاسمحون مع نقصهم ونواقصهم ويصرفون النظر عنها وينطلقون في أحلام
متطرفة لا ترحم ضعف الآخرين ولا تقدر نقصهم البشري و تطالبهم بالكمال الخلقي
والأخلاقي ولا تلتمس لهم عذرا في ذلك، ولعن في نفسه الأحلام وساوره اقتناع
داخلي أنها السبب الوحيد وراء تعاسة الأنسان وتعبه وسلم أنه لو كانت أحلام الناس
على قدر طاقتهم لكانت الحياة سلاما مستمرا وراحة لا تنقطع....
ولكن هذه هي طبيعة
الانسان فلما يثقل صدره بهذه الخواطر المزعجة، فليستسلم إلى طبيعته وينقاد كما
تعود أن ينقاد في حلمه الجميل الرائع، فليضرب عرض الحائط هذا المنطق الصارم
ولينسى نفسه وليطير مع حلمه، في النهاية ما هو إلا حلم وما دام كذلك فيكن جميلا
كجميع الأحلام جميلا كاملا، وراح يسترد ميزاجه الحالم وطبيعته المتفائلة، وشعر
بحركة متحفزة تهز صدره هزا وتثير فيه أمواجا حارة متأججة، وكان حلمه يبدو قريبا
مبتسما جميلا رائعا متوازنا محبوبا في كل شيء،محبوبا إذا ابتسم في براءة وغفلة
الأطفال، محبوبا إذا توردت زهرات الحياء على وجنتيه إذا أحس عينا تتشرب تلك
الابتسامة وقعت عليه، محبوبا إذا أسدل رموشا على عيون ومشي ينظر إلى الطريق أمامه،
محبوبا إذا غاب عن ناظريه، محبوبا محبوبا محبوبا قالها في خواطره العميقة ثلاث
مرات وأقنع نفسه أن لا يضيف إليها أي شرط بل يجب أن يقول محبوبا ويصمت محبوبا بلا
شرط وقيد بلا زمان ولا مكان ولا حركة محبوبا وكفى ...
وساوره ذلك الخاطر
من جديد ولكنه أسر أن ينتصر لحلمه هذه المرة وتساءل في إصرار ما الذي ينقصني ؟ فأنا
شاب جامعي مثقف لم يبقى إلا عام واحد ونصف العام على تخرجي من كليتي وسأخرج للعمل
إن شاء الله في هذه الظروف الأزموية ولكن يخامرني شعور غامض أنني سأجد لنفسي عملا محترما يدر على ما يمكنني أن أبني به أسرة محترمة تتوفر على كل شروط الحياة
البسيطة الكريمة المطمئنة ثم أتطور فيه خطوة خطوة إلى أن أصبح رجل أعمال كبير له
نفوذ واسع وسمعة طيبة وسأصنع نمودج رجل الأعمال النافد الملتزم أخلاقيا الذي يفعل
الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا ويعين الناس ما أمكنه ذلك، وأنا وقور وذو
شخصية مبنية على أسس متينة وعلى قدر من الخلق يجعلني مقبولا زد على ذلك أني كامل
الصحة والحمد لله ومن غير تواضع على قدر من الوسامة إن لم أقل وسيم ـ قالها وابتسم
قليلا من سخافته ولكنه أصر أن ينتصر لحلمه ـ يجعلني محبوبا بالإضافة إلى أنني أنيق
مهندم خفيف الدم طريف الحديث والناس من حولي يحبونيني ويحبون حديثي والله العظيم
أصدقائي في الدراسة يحبونني ويقسمون على ذلك ويحبون دعابتي وطرافتي أحاديقثي، وسأضر لمدح نفسي
مرة أخرى إذا أقول أنني ذو قلب ذكي يفهم الناس وينسجم في مشاعرهم بسرعة وينجح
غالبا في خلق جو من الود مع الناس من مختلف الأجناس والألوان والطبقات والهوايات
والصناعات فمن الطبيعي إذا أن يكون حلمي جميلا ومن الطبيعي أن أستحق هذا الحلم
الرائع عن جدارة ...
ولاحظ أنه لا يملك حاليا
إلا حلمه الجميل فقال يطمئن نفسه ليس هناك وقت مثالي
للزواج وإنما يأتي ذلك الوقت حينما تتوفر الظروف الملائمة وينضج الحل وهز رأسه مصدقا بل وصدق بكل جوارحه وأقسم أن لا يشك أنه هو ذلك الشخص نفسه الذي تكلم عنه
